القرطبي

170

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قلت : قوله : " وهذا هو الأصل " يريد في رجوع الضمير إلى أقرب مذكور ، وهو صحيح ، إذ لو أراد الجميع الذي هو الارضاع والانفاق وعدم الضرر لقال : وعلى الوارث مثل هؤلاء ، فدل على أنه معطوف على المنع من المضارة ، وعلى ذلك تأوله كافة المفسرين فيما حكى القاضي عبد الوهاب ، وهو أن المراد به أن الوالدة لا تضار ولدها في أن الأب إذا بذل لها أجرة المثل ألا ترضعه ، " ولا مولود له بولده " في أن الام إذا بذلت أن ترضعه بأجرة المثل كان لها ذلك ، لان الام أرفق وأحن عليه ، ولبنها خير له من لبن الأجنبية . قال ابن عطية : وقال مالك رحمه الله وجميع أصحابه والشعبي أيضا والزهري والضحاك وجماعة من العلماء : المراد بقوله " مثل ذلك " ألا تضار ، وأما الرزق والكسوة فلا يجب شئ منه . وروى ابن القاسم عن مالك أن الآية تضمنت أن الرزق والكسوة على الوارث ، ثم نسخ ذلك بالاجماع من الأمة في ألا يضار الوارث ، والخلاف هل عليه رزق وكسوة أم لا . وقرأ يحيى بن يعمر " وعلى الورثة " بالجمع ، وذلك يقتضى العموم ، فإن أسدلوا بقوله عليه السلام . " لا يقبل الله صدقة وذو رحم محتاج " قيل لهم الرحم عموم في كل ذي رحم ، محرما كان أو غير محرم ، ولا خلاف أن صرف الصدقة إلى ذي الرحم أولى لقوله عليه السلام : " إجعلها في الأقربين " فحمل الحديث على هذا ، ولا حجة فيه على ما راموه ، والله أعلم . وقال النحاس : وأما قوله من قال " وعلى الوارث مثل ذلك " ألا يضار فقوله حسن ، لان أموال الناس محظورة فلا يخرج شئ منها إلا بدليل قاطع . وأما قوله من قال على ورثة الأب فالحجة أن النفقة كانت على الأب ، فورثته أولى من ورثة الابن . وأما حجة من قال على ورثة الابن فيقول : كما يرثونه يقومون به . قال النحاس : وكان محمد بن جرير يختار قول من قال الوارث هنا الابن ، وهو وإن كان قولا غريبا فالاستدلال به صحيح والحجة به ظاهرة ، لان ماله أولى به . وقد أجمع الفقهاء إلا من شذ منهم أن رجلا لو كان له ولد طفل وللولد مال ، والأب موسر أنه لا يجب على الأب نفقة ولارضاع ، وأن ذلك من مال الصبي . فإن قيل : قد قال الله عز وجل " وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف " ، قيل : هذا الضمير للمؤنث ، ومع هذا فإن الاجماع